صديق الحسيني القنوجي البخاري
132
فتح البيان في مقاصد القرآن
حيث انفجر من الحجر الصغير ما روى منه الجمع والكثير ، ومعجزة نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم أعظم منه لأنه انفجر الماء من بين أصبعيه فروى منه الجم الغفير لأن انفجار الماء من بين الدم واللحم أعظم من انفجاره من الحجر . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 61 ] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 61 ) وَإِذْ قُلْتُمْ أي اذكروا يا بني إسرائيل إذ قال أسلافكم ، وهذا تذكير لجناية أخرى صدرت منهم وإسناد الفعل إلى فروعهم وتوجيه التوبيخ إليهم لما بينهم وبين أصولهم من الاتحاد . يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها هذا تضجر منهم بما صاروا فيه من النعمة والرزق الطيب ، والعيش المستلذ ، ونزوع ما ألفوه قبل ذلك من خشونة العيش ، ويحتمل أن لا يكون هذا منهم تشوقا إلى ما كانوا فيه وبطرا لما صاروا إليه من المعيشة الرافهة بل هو باب من تعنتهم وشعبة من شعب تعجرفهم كما هو دأبهم وهجيرهم في غالب ما قص علينا من أخبارهم . وقال الحسن البصري : إنهم كانوا أهل كراث وأبصال وأعداس فنزعوا إلى مكرهم مكر السوء ، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم فقالوا لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ أي نوع منه والمراد بالطعام الواحد هو المن والسلوى ، وهما وإن كانا طعامين لكن لما كانوا يأكلون أحدهما بالآخر جعلوهما طعاما واحدا وقيل لتكررهما في كل يوم وعدم وجود غيرهما معهما ولا تبدلة بهما ، والبقل كل نبات ليس له ساق والشجر ما له ساق . وقال في الكشاف البقل ما أنبتته الأرض من الخضر والمراد به أطائب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها انتهى وجمعه بقول ، والقثاء معروف الواحد قثاءة وفيها لغتان كسر القاف وضمها والمشهور الكسر والفوم قيل هو الثوم وقد قرأه ابن مسعود بالثاء وروي نحو ذلك عن ابن عباس ، وقيل الفوم الحنطة ، وإليه ذهب أكثر المفسرين كما قال القرطبي ، وقد رجح هذا ابن النحاس ، قال الجوهري : وممن قال بهذا الزجاج والأخفش وقال بالأول الكسائي والنضر بن شميل ، وقيل الفوم السنبلة وقيل الحمص وقيل الفوم كان حبا يخبز ، والعدس والبصل